
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ هُدًى وَشِفَاء، وَجَعَلَ تِلَاوَتَهُ عِبَادَة، وَإِتْقَانَ أَدَائِهِ أَمَانَةً وَمَسْؤُولِيَّة، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي تَلَقَّى الْقُرْآنَ عَنْ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَام- مُشَافَهَة، وَبَلَّغَهُ الْأُمَّةَ كَمَا أُنْزِل، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّين.أَمَّا بَعْد؛فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ هُوَ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى الْمُعْجِز، الْمُنَزَّلُ عَلَى قَلْبِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِه، الْمَكْتُوبُ بَيْنَ الدَّفَّتَيْن، الْمَنْقُولُ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُ رُوَاتِهِ عَلَى الْكَذِب، وَالْمُتَحَدَّى بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْه.وَلَمَّا كَانَتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عِبَادَةً مَحْضَة، فَإِنَّ صِفَةَ هَذِهِ الْعِبَادَة، وَهَيْئَتَها، وَطُرُقَ أَدَائِهَا تَوْقِيفِيَّةٌ لَا مَجَالَ فِيهَا لِلِاجْتِهَادِ أَوِ الرَّأْي؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اقْرَؤُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ", حَتَّى إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَلَقَّاهُ تَعْلِيمًا وَضَبْطًا مِنْ سَيِّدِنَا جِبْرِيل -عَلَيْهِ السَّلَام- مُشَافَهَةً وَتَلْقِينا.وَمِنْ هُنَا، كَانَ عِلْمُ التَّجْوِيدِ فِي حَقِيقَتِهِ عِلْمَ أَدَاءٍ وَسَنَد، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ عِلْمَ مُصْطَلَحٍ وَتَدْوِين؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ ضَبْطُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَلَا صِيَانَةُ حُرُوفِهِ إِلَّا بِالْأَخْذِ الْمُتَّصِل، وَالتَّلَقِّي الْمُحْكَم، وَالْمُشَافَهَةِ الَّتِي تَوَارَثَهَا أَهْلُ الْأَدَاءِ جِيلًا بَعْدَ جِيل، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾.
نَشْأَةُ هَذَا الْعَمَلِ وَمَسِيرَتُه
وَقَبْلَ الْوُلُوجِ فِي غِمَارِ هَذَا الْعِلْم ، أَجِدُ لِزَامًا عَلَيَّ أَنْ أَقِرَّ بِقَدْرِي وَأَعْرِفَ مَنْزِلَتِي؛ فَلَسْتُ بِمُؤَلِّفٍ يَبْتَدِعُ قَوْلا، وَلَا بِمُبْتَكِرٍ يُؤَسِّسُ أَصْلا، وَإِنَّمَا هِيَ بِضَاعَةٌ مُزْجَاة، جَمَعْتُهَا وَرَتَّبْتُهَا لِتَقْرِيبِ الْبَعِيد، وَتَيْسِيرِ الْعَسِيرِ عَلَى طُلَّابِ كِتَابِ اللهِ فِي زَمَانِنَا هَذَا.لَمْ يَكُنْ هَذَا الْعَمَلُ مَشْرُوعًا مُخَطَّطًا لَهُ سَلَفًا، وَإِنَّمَا نَشَأَ نَشْأَةً تَعْلِيمِيَّةً وَاقِعِيَّةً مِنْ حَلَقَاتِ الْقُرْآنِ الْعَظِيم، وَتَطَوَّرَ تَدْرِيجِيًّا مَعَ الْمُمَارَسَةِ وَالتَّلَقِّي، اسْتِجَابَةً لِلْحَاجَاتِ النَّظَرِيَّةِ وَالتَّطْبِيقِيَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ أَثْنَاءَ التَّعْلِيم.وَمَعَ مُرُورِ الْأَيَّام، تَحَوَّلَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ إِلَى أَوْرَاقٍ تَعْلِيمِيَّة، ثُمَّ إِلَى كُتَيِّبٍ مَطْبُوع، حَتَّى آلَ هَذَا الْجُهْدُ الْمُتَوَاضِعُ - بِتَوْفِيقِ اللهِ وَمَنِّهِ - إِلَى كِتَابٍ شَامِلٍ بَعُنْوَان:(فَتْحُ الْمُجِيبِ فِي جَمْعِ التَّجْوِيد)وَهُوَ كِتَابٌ يُعْنَى بِأَدَاءِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْعَظِيم، عَبْرَ إِعْطَاءِ كُلِّ حَرْفٍ حَقَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ اللَّازِمَة، وَمُسْتَحَقَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْعَارِضَة، مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ مَقِيت، وَلَا تَمْطِيطٍ مُحْدَث، وَلَا إِسْرَاعٍ يُخِلُّ بِالضَّبْط؛ لِيَكُونَ هَذَا الْكِتَابُ مُعِينًا عَلَى الْفَهْم، وَضَابِطًا لِلْمَعْلُومَة، وَمُسَانِدًا لِعَمَلِيَّةِ التَّلَقِّي لَا قَائِمًا مَقَامَهَا.
تَكَامُلُ الْبِنَاءِ: عِلْمُ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ
وَكَانَ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْبِنَاءِ الْعِلْمِيِّ اسْتِكْمَالُ الشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ التَّرْتِيل، وَهُوَ "عِلْمُ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ" الَّذِي هُوَ مِفْتَاحُ حُسْنِ التِّلَاوَةِ وَصِحَّةِ التَّدَبُّر؛ لِيُؤَدَّى كِتَابُ اللهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَل، جَامِعًا بَيْنَ جَمَالِ الْأَدَاءِ وَصِحَّةِ الْمَعْنَى، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَلَقَّاهُ الْقُرَّاءُ بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ إِلَى سيِّدنا رَسُولِ اللهِ ﷺ, وَقَدْ تَمَّ - بِفَضْلِ الله - إِعْدَادُ الْكِتَابِ الثَّانِي بَعُنْوَان:(فَتْحُ الْمُجِيبِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاء)وَهُوَ عِلْمٌ جَلِيلٌ اعْتَنَى بِهِ الْأَئِمَّةُ الْمُتَقَدِّمُون؛ صِيَانَةً لِلْمَعَانِي الْقُرْآنِيَّةِ مِنَ التَّحْرِيف، وَحِفْظًا لِلْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْبَتْرِ أَوِ الْإِفْسَاد.وَنَظَرًا لِمَا يَزْخَرُ بِهِ هَذَا الْعَمَلُ الثَّانِي مِنْ مَادَّةٍ عِلْمِيَّةٍ وَاسِعَةٍ وَمُسْتَفِيضَة، حَيْثُ رَبَتْ صَفَحَاتُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ (1000 صَفْحَة)، وَإِدْرَاكاً لِمَا قَدْ يَجِدُهُ الْقَارِئُ مِنْ صُعُوبَةٍ فِي حَمْلِهِ وَالتَّنَقُّلِ بِه؛ فَقَدْ يَسَّرَ اللهُ - بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ - أَنْ يُصَاغَ هَذَا الْجُهْدُ فِي صُورَةِ تَطْبِيقٍ إِلِكْتُرُونِيٍّ لِلْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّة، لِيَكُونَ قَرِيبَ الْمَنَال، سَهْلَ التَّنَاوُل، مُعِينًا لِلْقَارِئِ وَالْبَاحِثِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِين، وَمَرْجِعًا عَمَلِيًّا يُقَرِّبُ رَبْطَ الْأَدَاءِ بِحُسْنِ الْفَهْم.
الرَّكِيزَتَانِ وَطَبِيعَةُ الْعِلْم
إِنَّ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نُطْقٍ آلِيٍّ لِلْحُرُوف، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ يَتَجَلَّى فِيهَا عُمْقُ الْمَعْنَى وَجَلَالُ الْبَيَان, وَكَمَا قَرَّرَ عُلَمَاءُ الْأَدَاء، فَإِنَّ التَّرْتِيلَ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِرُكْنَيْنِ عَظِيمَيْن: تَجْوِيدِ الْحُرُوف، وَمَعْرِفَةِ الْوُقُوف.وَعِلْمُ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ لَيْسَ قَالَبًا جَامِدًا، بَلْ هُوَ عِلْمٌ اجْتِهَادِيٌّ رَحْبٌ يَفْتَحُ لِلْقَارِئِ آفَاقَ التَّدَبُّر؛ فَقَدْ يَقِفُ قَارِئٌ فِي مَوْضِعٍ لِبَيَانِ مَعْنًى صَحِيح، وَيَصِلُهُ آخَرُ لِبَيَانِ مَعْنًى أَتَمَّ وَأَشْمَل، وَكُلٌّ يَسْتَقِي مِنْ بَحْرِ الْقُرْآنِ الزَّاخِر, وَقَدْ حَرَصْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى تَقْرِيبِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَتَيْسِيرِ تَطْبِيقِهَا لِطُلَّابِ الْحَلَقَاتِ وَالدَّارِسِين، مَعَ عِنَايَةٍ خَاصَّةٍ بِإِبْرَازِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قَدْ يَفْسَدُ فِيهَا الْمَعْنَى إِنْ لَمْ يُرَاعَ الْوَقْفُ فِيهَا.وَإِنَّنِي فِي هَذَا الْجُهْدِ الطَّوِيلِ، قَدْ أُصِيبُ فِي مَوَاضِعَ وَأُخْطِئُ فِي أُخْرَى، إِذِ الْكَمَالُ لِلَّهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَه؛ فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَوَابٍ فَبِفَضْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِه، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ خَطَأٍ أَوْ قُصُورٍ فَمِنْ نَفْسِي وَالشَّيْطَان.
شُكْرٌ وَعِرْفَانٌ
وَمِنْ بَابِ الْوَفَاءِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ - وَالَّذِي هُوَ مِنْ شِيَمِ أَهْلِ الْقُرْآن -، أَتَقَدَّمُ بِعَظِيمِ الشُّكْرِ وَالِامْتِنَانِ وَالتَّقْدِيرِ إِلَى الْفَاضِلِ الشَّيْخِ الْمُهَنْدِسِ الْحَافِظِ الْحَاصِلِ عَلَى إِجَازَةٍ بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ (مُحَمَّد عَبْدُاللهِ نَوَاهضَة) -حَفِظَهُ الله- الَّذِي تَفَرَّغَ بِعِنَايَةٍ وَاهْتِمَامٍ بَالِغَيْنِ لِإِنْجَازِ هَذَا التَّطْبِيقِ الْمَحْمُولِ وَبَرْمَجَتِهِ خِدْمَةً لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَتَيْسِيرًا لِهَذَا الْعِلْمِ عَلَى طُلَّابِ الْحَلَقَاتِ وَالْبَاحِثِين.كَمَا لَا يَفُوتُنِي أَنْ أُزْجِيَ وَافِرَ الشُّكْرِ وَالِامْتِنَانِ إِلَى الْإِخْوَةِ الْمُدَقِّقِينَ الْكِرَامِ أَصْحَابِ الْهِمَمِ الْعَالِيَة، الَّذِينَ بَذَلُوا أَوْقَاتَهُمْ وَجُهُودَهُمْ فِي مُرَاجَعَةِ هَذَا الْعَمَلِ وَتَدْقِيقِهِ حِرْصًا عَلَى سَلَامَتِهِ وَإِتْقَانِه؛ فَجَزَاهُمُ اللهُ عَنِّي وَعَنْ كِتَابِهِ خَيْرَ الْجَزَاء، وَبَارَكَ فِي عِلْمِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَجَعَلَ مَا قَدَّمُوهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيم، وَصَدَقَةً جَارِيَةً لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
وَأَخِيرًا.. أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْعَمَلَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيم، وَأَنْ يَتَقَبَّلَهُ بِقَبُولٍ حَسَن، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ طُلَّابَ الْقُرْآن، وَيَجْعَلَهُ عَوْنًا عَلَى تِلَاوَةِ كِتَابِهِ كَمَا أُنْزِل، وَأَنْ يَكُونَ لَبِنَةً صَالِحَةً فِي بِنَاءِ جِيلٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ بِقَلْبِهِ كَمَا يَقْرَأُهُ بِلِسَانِه؛ عَسَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَه".وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين.


