الناسخ والمنسوخ

إن مسألة الناسخ والمنسوخ في القرآن العظيم من أدق مباحث علوم القرآن، وقد تباينت أنظار العلماء قديماً وحديثاً في حصر الآيات التي وقع عليها النسخ فعلاً، فمنهم من توسع حتى عدّ المئات، ومنهم من ضيّق الدائرة جداً.

لكن عند التمحيص والتحقيق، نجد أن القدر «المتفق عليه» أو الذي يكاد يعقد عليه الإجماع لظهور النسخ فيه شرعاً وعقلاً هو نزر يسير جداً، وأشهر من حرر ذلك الإمام السيوطي الذي حصرها في إحدى وعشرين آية، ثم جاء الشوكاني وغيره ليمحصوها أكثر.

وفيما يلي أهم المواضع التي استقر عليها العمل بكونها منسوخة حكماً مع بقاء تلاوتها، وهي التي لا يكاد يختلف فيها معتبر.

أولاً: التوجه إلى القبلة

يعتبر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة من أوضح أمثلة النسخ في القرآن. والآية المنسوخة هي قوله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواٰ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ — البقرة: 115

على قول ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى:

﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ — البقرة: 144

السبب

صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس بعد الهجرة لعدة أشهر (بين 16 إلى 17 شهراً)، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجهه الله نحو كعبة إبراهيم عليه السلام، فكان يكثر من النظر إلى السماء انتظاراً للوحي.

النزول

نزل قوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًٰ تَرْضَىٰهَا ﴾، فكان إيذاناً بانتهاء الحكم السابق وتثبيت القبلة الجديدة.

ثانياً: المصابرة في القتال

كان الحكم في البداية يوجب على الواحد من المسلمين الصمود أمام عشرة من المشركين:

﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواٰ مِاٰئَتَيْنِ ﴾ — الأنفال: 65

ثم نُسخ هذا الحكم تخفيفاً، فأصبح الواحد يقابل اثنين في الآية التي تليها:

﴿ الْـَٰٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاٰئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواٰ مِاٰئَتَيْنِ ﴾ — الأنفال: 66

السبب

عندما فُرض القتال، شقَّ على الصحابة أن يصمد الرجل الواحد أمام عشرة، وكان فرضاً لازماً يثقل كاهلهم في الغزوات الأولى.

النزول

نزلت آية التخفيف بعدما استبان الضعف البشري، فرحمهم الله بجعل المقابلة (واحد لاثنين) بدلاً من (واحد لعشرة).

ثالثاً: آية النجوى

وهي من الآيات التي لم يُعمل بها إلا مدة يسيرة جداً، حيث أُمر الصحابة بتقديم صدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ:

﴿ يَـٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوٰا إِذَا نَـٰجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواٰ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَـٰكُم صَدَقَةً ﴾ — المجادلة: 12

ثم نُسخ الوجوب بقوله تعالى في الآية التالية:

﴿ ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواٰ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَـٰكُم صَدَقَـٰتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواٰ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواٰ الصَّلَوٰةَ ﴾ — المجادلة: 13

السبب

كان الناس يكثرون من المسائل والمناجاة لرسول الله ﷺ حتى غلب ذلك على وقته وأثقل عليه، فأراد الله تأديبهم وتمييز من يريد الآخرة ممن يريد مجرد الحديث، فأمر بالصدقة قبل المناجاة.

النزول

بعد أن كفّ كثير من الناس عن السؤال تعظيماً أو خشية من الصدقة، ولم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بدينار صرفه، أنزل الله التخفيف ونسخ الوجوب.

رابعاً: عدة المتوفى عنها زوجها

كانت العدة في أول الإسلام سنة كاملة، وكان للمرأة الحق في السكنى والوصية:

﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَـٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَـٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ﴾ — البقرة: 240

ثم نُسخ هذا الحكم إلى أربعة أشهر وعشرة أيام:

﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَـٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ — البقرة: 234

السبب

كان العرف السائد في الجاهلية وبداية الإسلام أن تعتد المرأة سنة كاملة تكريماً للزوج، وكان لها الحق في السكنى في بيت زوجها تلك المدة.

النزول

نزل الحكم الإلهي ليحدد الفترة بمدة أدق (أربعة أشهر وعشرة أيام) لضمان براءة الرحم وتخفيفاً عن المرأة، فنسخت آية «الحول» بآية «أربعة أشهر وعشر».

خامساً: فاحشة النساء (الحبس في البيوت)

في بداية الأمر كان حد الفاحشة للنساء هو الحبس في البيوت حتى الموت:

﴿ فَإِن شَهِدُواٰ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ — النساء: 15

وهذا الحكم منسوخ بآية الجلد في سورة النور (للأبكار) وبالسنة النبوية (للمحصنين)، وهذا هو «السبيل» الذي أشارت إليه الآية:

﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُواٰ كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِاٰئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ — النور: 2

سادساً: التوارث بالحلف والهجرة

كان التوارث يقع بالحلف والمؤاخاة والهجرة في صدر الإسلام، ثم نُسخ ذلك بآيات المواريث وبقوله تعالى:

﴿ وَأُوْلُواٰ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ﴾ — الأنفال: 75

فصار الإرث للقرابة لا للحلف.

السبب

بعد الهجرة، آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وكانوا يتوارثون بهذه الأخوة دون قرابة الدم، تعزيزاً للرابطة الإسلامية الجديدة.

النزول

بعد أن استقر الإسلام وقويت شوكته، أعاد الله نظام المواريث إلى أصله الفطري في ذوي القربى.

سابعاً: آية الصيام

آية الصيام المقصودة غالباً في كتب التفسير وعلوم القرآن هي قوله تعالى:

﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ — البقرة: 184

هذه الآية شهدت مرحلتين من التشريع عند جمهور العلماء:

1. النسخ من حيث «التخيير»

في بداية فرض الصيام، كان المسلمون مخيرين بين الصيام وبين الإفطار مع إخراج الفدية (إطعام مسكين)، حتى وإن كانوا قادرين على الصوم. ثم نُسخ هذا التخيير وبقي الوجوب بقوله تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ — البقرة: 185، فأصبح الصيام فرضاً عيناً على كل قادر صحيح مقيم.

2. بقاء الحكم للفئات الخاصة (النسخ الجزئي)

رغم أن التخيير نُسخ للقادرين، إلا أن الحكم بقي مستمراً في حق من لا يستطيع الصيام لسبب دائم، وهذا ما يُعرف عند الأصوليين بـ«النسخ الذي بقي حكمه لفئة معينة»، ومن ذلك: كبار السن الذين لا يقدرون على الصوم، والمريض مرضاً لا يُرجى برؤه؛ فهؤلاء يفطرون ويطعمون عن كل يوم مسكيناً.

3. رأي ابن عباس رضي الله عنهما

يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ليست منسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً»، وهذا يعني أنها محكمة في حق هؤلاء، ومنسوخة في حق الأصحاء المقيمين.

الخلاصة

الآية منسوخة في حق القادر على الصيام (لم يعد مخيراً بل وجب عليه الصوم)، وهي محكمة (باقية العمل) في حق العاجز عجزاً مستمراً ككبير السن.