أسباب النزول

محمد

مدنية · Muhammad

تختلف سورة محمد عن السور المكية السابقة؛ فهي سورة مدنية بالكامل (ونزل بعض آياتها في الطريق أثناء الهجرة)، وتسمى أيضاً "سورة القتال" لأنها نزلت لتشرع الجهاد وتضع أحكامه بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. وكما هو الحال في معظم السور الطويلة، لا يوجد سبب نزول واحد شامل للسورة بكاملها، وإنما نزلت للتعامل مع مرحلة المواجهة العسكرية بين المسلمين وكفار مكة، ولتمييز صفوف المؤمنين الصادقين عن المنافقين. ومع ذلك، أورد المفسرون والمحدثون أسباب نزول لبعض الآيات والمقاطع المحددة داخل السورة، ومن أبرزها: 1. سبب نزول الآيات (1 - 3): ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ...﴾ السبب: ذكر ابن جرير الطبري وغيره من المفسرين أن الآية الأولى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في مطعمي المشركين يوم بدر، وهم أئمة الكفر من قريش (مثل أبي جهل، وعتبة، وشيبة، والعاص بن وائل) الذين كانوا ينفقون أموالهم ويطعمون الناس ليصدوهم عن إتباع النبي صلى الله عليه وسلم. أما الآية الثانية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...﴾ فقد نزلت في الأنصار والمهاجرين الذين نصروا الدين واتبعوا الحق. 2. سبب نزول الآية (13): ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ السبب: روى الترمذي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة، وقف في طريق هجرته ونظر إلى مكة وهو يودعها وحزن حزناً شديداً وقال: "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ". فأنزل الله تعالى هذه الآية تسليةً لقلبه ونفساً لغمّه، ووعداً بأن القرية التي أخرجته (مكة) لن تعجز الله، وسيهلك الظالمين فيها ويعز نبيّه. 3. سبب نزول الآية (20): ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مَُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَةَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ...﴾ السبب: كان المؤمنون الصادقون يتطلعون وينتظرون نزول الوحي بالتعليمت والفرائض الجازمة، ويقولون: لولا تنزل سورة تشترط علينا أمراً نعمله. فلما نزل الأمر الصريح بالقتال والجهاد في هذه السورة، كُشفت حقيقة المنافقين (الذين في قلوبهم مرض)، فظهر عليهم الخوف والهلع وزاغت أبصارهم كالمغشي عليه من الموت كراهةً للجهاد وإنفاق الأموال. المقصد العام للسورة: تعتبر السورة مفاصلة حاسمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، وأهم مقاصدها: * بيان أحكام الحرب والأسرى: إرساء قواعد التعامل مع الأعداء في الميدان ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ...﴾. * كشف صفات المنافقين: تعريتهم وبيان خبث سرائرهم وتخذيلهم للمسلمين. * الحث على الإنفاق والجهاد: خُتمت السورة بالتحذير من البخل في سبيل الله: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾.