أسباب النزول
البينة
مدنية · Al-Bayyinah
لا يوجد سبب نزول واحد شامل لسورة البينة بكاملها؛ فهي سورة نزلت لتوضيح موقف أهل الكتاب والمشركين من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان انقسام الناس بعد مجيء البينة الواضحة، وتمايز مصير الفريقين.
(اختلف العلماء في كونها مكية أو مدنية، والأرجح عند جمهور المفسرين أنها مدنية نزلت بعد الهجرة).
ومع ذلك، أورد المفسرون والمحدثون أسباب نزول وروايات صحيحة ومشهورة لبعض الآيات والمقاطع المحددة داخل السورة، وأبرزها:
1. سبب نزول الآية (7) وبيان "خير البرية":
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
السبب والمفهوم:
روى ابن عساكر وابن جرير الطبري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل علي بن أبي طالب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة)"، فنزلت الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليّ قالوا: "جاء خير البرية".
2. حديث أُبيّ بن كعب وتسمية السورة:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأُبيّ بن كعب:
"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنه أَهْلِ الْكِتَابِ﴾"
قال أُبيّ: وَسَمَّانِي لَكَ؟
قال: "نَعَمْ"، فَبَكَى أُبيّ رضي الله عنه من الشوق والتأثر.
وهذا الحديث يبيّن العناية الإلهية الفائقة بهذه السورة وما تضمنته من قواعد الدين الجليلة.
المقصد العام للنزول والسمة البارزة للسورة:
تستمد السورة اسمها من لفظ ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ المذكور في آيتها الأولى (والمقصود بالبينة: الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم)، وتدور أبرز مقاصدها حول:
انكشاف الشبهات بمجيء الرسول: بيان أن كفار أهل الكتاب والمشركين كانوا يزعمون أنهم لن يتركوا ما هم عليه حتى تأتيهم الحجة الواضحة (البينة)، فلما جاءهم الرسول يتلو صحفاً مطهرة، اختلفوا وتفرقوا حسداً وبغياً.
جوهر الشريعة وروح الأديان: التذكير بأن الله لم يكلف الخلائق إلا بأصل واحد جامع: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
المقارنة الحاسمة بين الفريقين:
شر البرية: الكافرون من أهل الكتاب والمشركون، ومصيرهم الخلود في نار جهنم.
خير البرية: المؤمنون الصالحون، وجزاؤهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، مع أعلى مراتب التكريم: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.