البسملة بين القرّاء والفقهاء
- لم يُرْوَ عن أحد من أئمة القراءة جواز ابتداء القراءة من أول السورة بدون البسملة سوى سورة التوبة. واختلافهم إنما هو في حالة وصل السورتين معًا، فمنهم من أثبتها ومنهم من حذفها، واتفقوا جميعًا على قراءة البسملة في أول الفاتحة وإن وُصلت بغيرها.
- البسملة كُتبت في أول كل سورة في المصحف سوى سورة (براءة)، وأجمع الصحابة -رضوان الله عليهم- على ذلك، ولم يكتبوا في المصحف مثلًا: (آمين) أو (صدق الله العظيم).
- موافقة رسم المصحف شرطٌ في صحة القراءة، وقد كُتبت البسملة في مئةٍ وثلاث عشرة سورة. وأئمة القراءات هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقي شيوخًا عن شيوخ، بسند متواتر قطعي عن رسول الله ﷺ.
- البسملة آيةٌ من الفاتحة، ويُؤتى بها جهرًا في الصلاة الجهرية في أول السورة اتفاقًا، ووسطها اختيارًا، وبين السورتين للفصل بينهما، وأثناء سورة التوبة حال وصل السورة بالسورة للإشعار بانتهاء سورة وبدء أخرى.
- من القراء من بسمل بين السورتين حال وصلهما، ومنهم من سكت بينهما بدون تنفس، ومنهم من وصلهما بدون البسملة.
الوجه الممنوع في البسملة
«ولذلك لم يكن بينهم — أي: القراء — خلافٌ في إثبات البسملة أول الفاتحة سواء وُصلت بسورة قبلها أم ابتدئ بها».
دقائق الأحداث عند نزول القرآن العظيم
- القرآن نزل على قلب النبي ﷺ أولًا قبل أن يُتلفَّظ به.
- التوجيه الإلهي علّمه منهج تلقّي الوحي: الاستماع أولًا حتى ينتهي سيدنا جبريل -عليه السلام- من القراءة، ثم التكرار ثانيًا.
- كان سيدنا جبريل -عليه السلام- يُحدّد للنبي ﷺ عند نزول كل آية موضعها الدقيق في سورتها، فكان النبي ﷺ يقول للصحابة: «ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا».
مراحل نزول القرآن العظيم
المرحلة الأولى: النزول إلى السماء الدنيا
- النزول جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا — دفعةً واحدة في ليلة واحدة.
- الزمان: نزل في ليلة القدر المباركة، إحدى ليالي شهر رمضان.
- المكان: نزل إلى بيت العِزّة، وهو موضع خاص في السماء الدنيا (أقرب سماء إلى الأرض).
- الحكمة: كانت هذه المرحلة إعلانًا في الملأ الأعلى عن عظمة هذا الكتاب وشرفه، وأنه أصبح محفوظًا في أقرب سماء تمهيدًا لنزوله على الناس.
المرحلة الثانية: النزول التدريجي على النبي ﷺ
- هذا النزول هو الذي عاشه النبي ﷺ والصحابة الكرام — نزول بالتدريج من السماء الدنيا إلى النبي ﷺ.
- استغرق نزوله نحو ثلاث وعشرين سنة تقريبًا.
- كان ينزل به جبريل -عليه السلام- في أوقات مختلفة وأسباب معينة أو استجابةً لحادثة أو سؤال.
- كان النزول المتقطّع تثبيتًا لقلب النبي ﷺ وتقوية لعزيمته في مواجهة الشدائد، وتربيةً للأمة بالتدرج في الأحكام، كتحريم الخمر.
﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
طريقة وصول القرآن العظيم إلينا
وصل إلينا القرآن العظيم بطريقتين متلازمتين لا يمكن الاستغناء عن إحداهما.
أولًا: المنطوق — التلقّي والمشافهة
- السماع والمشافهة: تلقّى الصحابة القرآن من فم النبي ﷺ مشافهةً، وتلقّاه التابعون من الصحابة، وهكذا جيلًا بعد جيل حتى وصل إلينا.
- التواتر: نُقل القرآن من قِبَل جمع غفير يستحيل تواطؤهم على الكذب — وهذا يضمن صحة النطق وأداء الأحرف والمدود والوقف والابتداء (أي: التجويد والقراءات).
- ضمان النطق الصحيح: لا يمكن تعلّم القرآن بالنطق الصحيح والوقف والمدود الصحيحة إلا عن طريق التلقّي الشفوي من شيخٍ متقن مُجاز.
ثانيًا: المكتوب — الرسم العثماني
حظي القرآن بعناية فائقة منذ اللحظات الأولى لنزوله، وتم تدوينه في عهد النبي ﷺ عبر ثلاث ركائز أساسية ضمنت دقّته وسلامته:
١. كُتّاب الوحي
كان للنبي ﷺ مجموعة من الصحابة المهرة عُرفوا بـ «كُتّاب الوحي»، بلغ عددهم العشرات (تتراوح الروايات بين 23 و42 كاتبًا).
- الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
- زيد بن ثابت — الكاتب الأبرز في المدينة.
- أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم.
٢. طريقة التدوين والمراجعة
- الإملاء النبوي: كان النبي ﷺ يستدعي الكاتب ويُملي عليه ما نزل، ويُحدد له موضع الآية في سورتها (توقيفيًا).
- المراجعة الفورية: بعد الكتابة كان النبي ﷺ يطلب من الكاتب قراءة ما كتبه، فإن كان هناك خطأ أقامه وصحّحه قبل اعتماده.
- أدوات الكتابة: العُسُب (جريد النخل)، واللِّخاف (الحجارة الرقيقة البيضاء)، والرِّقاع (قطع الجلد أو القماش)، والأكتاف (عظام أكتاف الإبل والماشية).
٣. الجمع بين الحفظ والكتابة
لم تكن الكتابة الوسيلة الوحيدة، بل كانت عضدًا للحفظ في الصدور؛ فكان الصحابة يحفظون ما يُكتب فورًا ويراجعونه في صلواتهم، مما جعل النص القرآني محفوظًا في «السطور» و«الصدور» معًا، وهو ما يُفسّر بقاء النص ثابتًا تمامًا كما نزل.
ما هو التواتر في القرآن العظيم؟
هو نقلُ «جمْعٌ غفير» عن «جمْعٌ غفير» من أول السند إلى منتهاه، بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب أو الخطأ.
مستويات التواتر
- تواتر الجمع: لم ينقل القرآن فرد واحد ولا عشرة، بل نقله آلاف الصحابة عن النبي ﷺ، ثم نقله عنهم آلاف التابعين، وهكذا في كل طبقة من طبقات الأمة.
- تواتر المشافهة: القرآن لم يُؤخذ من الكتب فحسب (لأن الكتابة قد تحتمل الخطأ)، بل أُخذ بالتلقّي المباشر؛ التلميذ يقرأ على شيخه والشيخ يُصحّح له، بسند متصل إلى النبي ﷺ.
- التواتر في الصلوات: كان القرآن يُقرأ جهارًا في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين منذ اليوم الأول، مما جعل نصّه مألوفًا محفوظًا حتى عند عامة الناس.
الحكمة من الجمع بين الكتابة والتواتر
- الكتابة (في السطور): مرجع مادي ثابت هو المصحف.
- التواتر (في الصدور): ضمان كيفية النطق الصحيح (التجويد) ومنع أي تلاعب بالرسم أو النص.
يُجمع العلماء على أن من شروط صحة القراءة: أن تكون موافقةً لوجه من وجوه اللغة، وموافقةً للرسم العثماني، ومتواترةً بالسند.
- جُمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم كُتب في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه على شكل مصاحف سُمّيت «المصاحف العثمانية».
- الرسم العثماني: رسمٌ توقيفي لا يجوز مخالفته، ويحوي القراءات المختلفة التي نزلت وتوافق اللغة العربية.
- ضمان النص: ضمن هذا الرسم ثبوتَ النص القرآني وحفظه من التحريف اللفظي (الزيادة والنقصان في الحروف).