أسباب النزول
سبإ
مكية · Saba
كما هو الشأن في السور المكية التي تعنى بتأسيس العقيدة، لا يوجد سبب نزول واحد يشمل سورة سبأ بأكملها. بل نزلت السورة في سياق عام لمعالجة قضايا الإيمان الكبرى، وعلى رأسها إثبات "البعث والنشور" الذي كان كفار قريش ينكرونه بشدة، بالإضافة إلى الرد على شبهاتهم حول الوحي والنبوة.
ومع ذلك، أورد المفسرون أسباب نزول لبعض الآيات المحددة داخل السورة، ومن أبرزها:
1. سبب نزول الآية (3):
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ...﴾
السبب: نزلت هذه الآية رداً مباشراً على كفار قريش الذين كانوا يستبعدون القيامة وينكرون قدرة الله على إحياء الموتى بعد أن يصبحوا تراباً وعظاماً. فأمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه على حتمية مجيء الساعة وإثبات علم الله المحيط بكل ذرة في الكون.
(وهي إحدى ثلاث آيات في القرآن العظيم أمر الله فيها نبيه أن يقسم على وقوع الساعة، والآيتان الأخريان في سورة يونس وسورة التغابن).
2. سبب نزول الآية (31):
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ...﴾
السبب: ذكر المفسرون (كالقرطبي وابن جرير) أنها نزلت في أبي جهل والمشركين؛ حيث كانوا يسألون أهل الكتاب (اليهود والنصارى) عن صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروهم أنه مذكور لديهم في التوراة والإنجيل، غضب المشركون وعاندوا، وقالوا: لن نؤمن بهذا القرآن، ولن نؤمن بالكتب السابقة التي تبشر به، فنزلت الآية تتوعدهم بموقفهم المخزي يوم القيامة حين يلقي التابعون باللوم على المتبوعين.
المقصد العام ومحاور السورة:
أنزلت سورة سبأ لترسيخ مفاهيم عقدية هامة من خلال ضرب الأمثال، وأهم مقاصدها:
المقارنة بين الشكر والجحود: عرضت السورة نموذجين متناقضين في التعامل مع نعم الله:
النموذج الأول (الشكر): متمثل في نبيي الله داود وسليمان عليهما السلام، اللذين أعطاهما الله المُلك والقوة، فقابلا ذلك بالشكر والعمل الصالح ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
النموذج الثاني (الجحود): متمثل في "قوم سبأ" (الذين سُميت السورة باسمهم)، حيث أنعم الله عليهم بالجنان والأمن والرخاء، فأعرضوا وكفروا النعمة، فكانت عاقبتهم سيل العرم وتفرقهم في البلاد ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
إبطال الشرك: نسفت السورة كل مبررات الشرك، وأثبتت أن الآلهة المزعومة لا تملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا تملك شفاعة إلا بإذن الله.