أسباب النزول
فصلت
مكية · Fussilat
لا يوجد سبب نزول واحد شامل لسورة فصلت بكاملها؛ فهي سورة مكية (وهي السورة الثانية من سور "آل حم")، نزلت في مرحلة اشتداد العناد والمواجهة بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم، لترسيخ التوحيد، وبيان إعجاز القرآن، وتثبيت النبي والمؤمنين.
ومع ذلك، وردت أسباب نزول لبعض الآيات والمقاطع المحددة داخل السورة، ومن أبرزها:
1. سبب نزول المطلع والآيات الأولى (قصة عتبة بن ربيعة):
﴿حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ...﴾
السبب: روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن قريشاً اجتمعت يوماً وقالت: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأتِ هذا الرجل (محمد) الذي فرق جماعتنا وليكلمه. فقالوا: عتبة بن ربيعة (أبو الوليد).
فجاء عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما تجيء به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أثرانا، وإن كنت تريد شرفاً سدّدناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب...
فلما فرغ عتبة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أفرغت يا أبا الوليد؟" قال: نعم. قال: "فاستمع مني"، فقرأ عليه من مطلع سورة فصلت، حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، قام عتبة وفزع ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم يناشده بالرحم والقرابة أن يكفّ، ورجع إلى قريش بغير الوجه الذي ذهب به وقال لهم: "والله لقد سمعت كلاماً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالسحر ولا الشعر ولا الكهانة..."!
2. سبب نزول الآيات (21 - 24):
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ...﴾
السبب: روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي، قليلٌ فقهُ قلوبهم، كثيرٌ شحمُ بطونهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا! فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
3. سبب نزول الآية (26):
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾
السبب: ذكر المفسرون أن كفار قريش (وعلى رأسهم أبو جهل) لما رأوا تأثر الناس وحلاوة القرآن إذا قَرَأه النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، تواصوا فيما بينهم بأن يثيروا الشغب والصخب، وأن يصفقوا ويصيحوا ويرددوا أراجيف وشعراً إذا سمعوا النبي يقرأ القرآن كي لا يستمع إليه أحد ولا يتأثر به، فأنزل الله الآية يكشف مكرهم.
المحور الأساس والمقصد العام للسورة:
تسمى أيضاً "سورة السجدة المكية" أو "سورة مصابيح"، وتدور مقاصدها حول:
* عظمة القرآن وبيان فصله: التأكيد على أن القرآن كتاب محكم ومفصل، ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
* الاستقامة وبشارة المؤمنين: تثبيت المسلمين ببيان تنزل الملائكة بالبشارة على من قال ربنا الله ثم استقامة الدعوة بالتي هي أحسن: توجيه الداعية إلى الدفع بالتي هي أحسن لمواجهة إساءة الكفار: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.