أسباب النزول
القيامة
مكية · Al-Qiyamah
لا يوجد سبب نزول واحد شامل لسورة القيامة بكاملها؛ فهي سورة مكية نزلت في مرحلة مبكرة من الدعوة لترسيخ العقيدة، وإثبات البعث والجزاء، وتفنيد إنكار كفار مكة لإعادة إحياء العظام بعد فنائها.
ومع ذلك، أورد المفسرون والمحدثون أسباب نزول وروايات صحيحة لبعض الآيات والمقاطع المحددة داخل السورة، وأبرزها:
1. سبب نزول الآيات (3 - 4):
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾
السبب: روى المفسرون (كالقرطبي والواحدي) أنها نزلت في عُدي بن ربيعة (صهن النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته رقية)، وكان رجل شديد التكذيب بالبعث؛ حيث جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: "حدثني عن يوم القيامة؛ متى تكون؟ وكيف أمرها؟" فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بها، فقال عدي: "لو رأيتُ ذلك اليوم لم أُصدقك يا محمد، وأوَيجمع الله هذه العظام؟!" فأنزل الله تعالى الآيتين ليؤكد قدرته المطلقة ليس فقط على جمع العظام، بل وعلى إعادة تسوية أطراف البنان ودقائق البصمات كما كانت.
2. سبب نزول الآيات (16 - 19) في كيفية تلقي الوحي:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾
السبب: روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطالِعُ من التنزيل شدة، وكان إذا نزل عليه الوحي يُحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه أو ينسى منه شيئاً، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾؛ أي طمأنه الله بأن ينصت ويدع جبريل حتى يفرغ، وتكفل الله بجمعه في صدره وحفظه وقراءته على لسانه وببيان أحكامه".
3. سبب نزول الآيات (31 - 35):
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ * وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ * أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾
السبب: روى الترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن جبير، أنها نزلت في أبي جهل (عمرو بن هشام)؛ حيث كان يشتد في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم والاستكبار عليه، ثم يذهب إلى أهله يتبختر ويتكبر في مشيته ("يتمطى").
وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيبه يوماً وقال له: "أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ" (وهي كلمة تهديد ووعيد بالهلاك)، فقال أبو جهل مستكبراً: "أتتهددني أنت وقومك؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً، وإني لأعز من مشى بين جبليها!"، فأنزل الله القرآن بصلب ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقوله ووعيداً لأبي جهل.
المقصد العام للنزول والسمة البارزة للسورة:
تستمد السورة اسمها من قسم الله جل وعلا بها: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وتدور مقاصدها الرئيسية حول:
إثبات القدرة الإلهية على البعث: تصوير لحظات الموت والاحتضار ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ وما يعقبها من القيامة.
المقارنة بين وجوه يومئذ: الوجوه الناضرة التي تنظر إلى ربها، والوجوه الباسرة التي تظن أن يُفعل بها فاقرة.
الاستدلال بالنشأة الأولى: ختام السورة بالاستدلال بخلق الإنسان الأول من نطفة لبيان سهولة إعادته: ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾.