أسباب النزول
الإنشقاق
مكية · Al-Inshiqaq
لا يوجد سبب نزول واحد شامل لسورة الانشقاق بكاملها؛ فهي سورة مكية نزلت في الفترات الأولى من الدعوة الإسلامية لترسيخ الإيمان باليوم الآخر، وتصوير مشاهد القيامة والحساب، والتأكيد على حتمية ملاقاة الإنسان لربه ونتيجة عمله.
ومع ذلك، أورد أهل التفسير والمحدثون أسباب نزول وروايات لبعض الآيات والمقاطع المحددة داخل السورة، وأبرزها:
1. سبب نزول الآيات (7 - 12):
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾
السبب والمفهوم:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ"، فقلتُ: يا رسول الله، أليس يقول الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ".
وبذلك بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية نزلت لتمييز نوعي الحساب: الحساب اليسير (وهو العرض والتجاوز للمؤمن)، والحساب العسير لأصحاب الشقاق المكذبين الذين يؤتون كتبهم وراء ظهورهم.
2. سبب نزول الآية (21) وحادثة السجود:
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾
السبب والرواية:
نزلت هذه الآية لإنكار واستنكار موقف مشركي مكة الذين كانوا يستكبرون عن الخضوع والسجود لله عند سماع القرآن، ويتواصون بعدم الاستماع له.
وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة (سورة الانشقاق) وهو يصلي، فسجد عند هذه الآية، فلما انصرف قيل له في ذلك، فقال: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ".
المقصد العام للنزول والسمة البارزة للسورة:
تستمد السورة اسمها من مطلعها: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، وتدور مقاصدها الرئيسية حول:
انقياد الكون لرب العالمين: بيان خضوع السماء والأرض واستجابتهما لأمر الله وحقهما في أن يطيعا ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾.
كَدْحُ الإنسان وحتمية اللقاء: التذكير بأن الإنسان يكدح في هذه الحياة تعباً وسعياً، ومرجعه الحتمي إلى الله لِيُجْزَى بعملِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.
التأكيد على تبدل الأحوال (التدرج): أقسم الله بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق على أن الإنسان يمر بأطوار وطباق مختلفة في الدنيا والآخرة: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾.