أسباب النزول
الشرح
مكية · Ash-Sharh
لا يوجد سبب نزول واحد شامل لسورة الشرح (الانشراح) بكاملها؛ فهي سورة مكية نزلت في مرحلة مبكرة شديدة الحرص والضيق من مراحل الدعوة الإسلامية بمكة المكرمة، لتسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتذكيره بنعم الله العظيمة عليه، وتثبيته أمام أذى قريش وتكذيبهم.
ومع ذلك، أورد المفسرون والمحدثون أسباب نزول وروايات لبعض الآيات والمقاطع المحددة داخل السورة، وأبرزها:
1. سبب نزول الآيتين (5 - 6) في اليسر بعد العسر:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
السبب والقصة:
روى عبد الرزاق وابن جرير الطبري عن الحسن البصري وقتادة رحمهم الله قالا: "لما نزلت هذه الآية، عَيَّرَ المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر والشدة، وقالوا: إنما أصحاب محمد في عسر وحاجة! فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يضحك ومستبشر وهو يقول: لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين!"، وتلا هذه الآية.
المفهوم البياني: بين العلماء أن "الْعُسْرِ" جاء معرفاً بـ (أل) في الآيتين وهو عين الأول (عُسر واحد)، بينما "يُسْرًا" جاء نكرة في الآيتين فهو يسر ثانٍ مضاعف، مما يقطع بأن مع كل تضييق فرجاً قريباً ويسراً كبيراً.
2. سبب نزول السورة في سياق معيرة الكفار للفقر :
أورد بعض أهل التفسير (كالواحدي) أن مشريكي قريش كانوا يعيرون المسلمين بقلة المال وضيق الحال، ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما نراك إلا مسكيناً معدماً!"، فأنزل الله هذه السورة يُعدّد فيها على نبيه نعمه الباطنة والظاهرة التي تعلو على كل مال ودنيا (شرح الصدر، حط الوزر، ورفع الذكر)، ثم وعده بالفرج واليسر العاجل والآجل.
المقصد العام للنزول والسمة البارزة للسورة:
تستمد السورة اسمها من أول نعمة ذكرها الله فيها: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، وتُعد السورة قرينة "سورة الضحى" ومكملة لموضوعها، وتدور أبرز مقاصدها حول:
التذكير بالمنن الثلاث الكبرى:
1. شرح الصدر: بالنبوة، والهدى، والنور، والإيمان (وقيل حادثة شق الصدر المباركة).
2. وضع الوزر: حط الثقل والهموم الكثيرة التي كانت تثقل كاهله صلى الله عليه وسلم حرصاً على إيمان قومه.
3. رفع الذكر: إعلاء شأنه صلى الله عليه وسلم فلا يُذكر الله إلا ويدكر معه (في الأذان، الإقامة، الشهادتين، الصلاة، والخطب).
الدعوة للإقبال على العبادة: التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بأنه إذا فرغ من أشغال الدنيا أو التبليغ، أن ينصب ويتعب في العبادة والتعرض لفضل ربه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾.